ابن عجيبة
216
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم مدح كتابه المشتمل على جلّ العلوم الغيبية ، فقال : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 76 إلى 81 ] إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 76 ) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 77 ) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 78 ) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ( 79 ) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 80 ) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ( 81 ) يقول الحق جل جلاله : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ؛ يبين لهم أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين الذي اشتبه عليهم . ومن جملة ما اختلفوا فيه : المسيح ، وتحزّبوا فيه أحزابا ، وركبوا متن العند والغلو في الإفراط والتفريط ، ووقع بينهم المناكرة في أشياء ، حتى لعن بعضهم بعضا . وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه ، لو أنصفوا وأخذوا به ، وأسلموا . يريد اليهود والنصارى ، وإن كانت الآية خاصة باليهود . وَإِنَّهُ - أي : القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ على الإطلاق ، فيدخل فيهم من آمن من بني إسرائيل دخولا أوليا . إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي : بين بني إسرائيل ، أو : بين من آمن بالقرآن ومن كفر به ، بِحُكْمِهِ أي : بعدله ؛ لأنه لا يحكم إلا بالعدل ، فسمى المحكوم به حكما . أو : بحكمته ، ويدل عليه قراءة من قرأ « بحكمه » : جمع : حكمة « 1 » ؛ لأن أحكامه تعالى كلها حكم بديعة . وَهُوَ الْعَزِيزُ ، فلا يردّ حكمه وقضاؤه ، الْعَلِيمُ بجميع الأشياء ، ومن جملتها : من يقضى له ومن يقضى عليه . أو : العزيز في انتقامه من المبطلين ، العليم بالفصل بين المختلفين . فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، الفاء لترتيب ما قبله من ذكر شؤونه - عز وجل - فإنها موجبة للتوكل عليه ، داعية إلى الأمر به ، أي : فتوكل على اللّه الذي هذا شأنه . وهذه أوصافه ، فإنه موجب لكل أحد أن يتوكل عليه ، ويفوض جميع أموره إليه . أو : فتوكل على اللّه ولا تبالي بأعداء الدين . إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ، تعليل للأمر بالتوكل بأنه الحق الأبلج ، وهو الدين الواضح الذي لا يتطرقه شك ولا ريب .
--> ( 1 ) وهي قراءة جناح بن حبيش ، كما ذكر صاحب البحر المحيط ( 7 / 91 ) .